مقدمة الفصل
وبالاستناد إلى الأطر النظرية المفسرة للسلوك الإجرامي التي جرى تناولها في الباب الثاني، برز مفهوم الجريمة البيضاء بوصفه أحد المفاهيم التي وسّعت نطاق التحليل الإجرامي ليشمل الجرائم المرتبطة بالبيئات المهنية والتنظيمية والاقتصادية.
ويهدف هذا الفصل إلى استعراض نشأة مفهوم الجريمة البيضاء وتطوره، وتحليل أبرز الانتقادات الموجهة إليه، وبيان الاتجاهات الحديثة التي أعادت صياغته في ضوء المتغيرات الاقتصادية والتنظيمية المعاصرة.
أولاً: نشأة مفهوم الجريمة البيضاء
شكّل عالم الجريمة [1]Edwin Sutherlandمنعطفاً مهماً في الفكر الإجرامي[2] Criminological Thought عندمـا قدّم عام 1939 مفهوم “الجريمة البيضاء” (White-Collar Crime)، وعرّفهـــــا بأنهـا: «جريمة يرتكبها فرد محترم وذي مكانة اجتماعية مرموقة أثناء ممارسته لوظيفته».
وقد وجّه هذا التعريف الانتباه إلى أنماط من السلوك غير المشروع تقع داخل البيئات المهنية والاقتصادية والتنظيمية، وأسهم في توسيع نطاق الاهتمام الإجرامي ليشمل جرائم لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الدراسة في ذلك الوقت.
ولم يكن ظهور هذا المفهوم حدثاً معزولاً عن التحولات الاقتصادية والتنظيمية التي شهدها القرن العشرون. فمع التوسع في النشاط الاقتصادي، ونمو الشركات الكبرى، وتزايد الفصل بين الملكية والإدارة، برزت أنماط جديدة من المخالفات والجرائم المرتبطة بالأعمال والمهن والأنشطة التجارية.
وقد أوجدت هذه التحولات بيئات تنظيمية أكثر تعقيداً أتاحت فرصاً أوسع لاستغلال السلطة والثقة والموقع الوظيفي لتحقيق منافع غير مشروعة، الأمر الذي دفع ساذرلاند إلى لفت الانتباه إلى هذا النوع من الجرائم الذي لم يكن يحظى بالاهتمام نفسه الذي حظيت به الجرائم التقليدية آنذاك.
ثانياً: لماذا كان مفهوم ساذرلاند ثورياً؟
لا تكمن أهمية مفهوم الجريمة البيضاء في التعريف ذاته بقدر ما تكمن في التحدي الفكري الذي فرضه على التصورات السائدة حول الجريمة ومصادرها. فقد مثّل طرح ساذرلاند نقطة تحول في مسار الدراسات الإجرامية، إذ نقل الاهتمام من التركيز الحصري على الجريمة التقليدية إلى دراسة الجرائم المرتبطة بالوظائف والمؤسسات والأنشطة الاقتصادية.
فقبل ظهور هذا المفهوم، كانت العديد من الدراسات الإجرامية تنطلق بصورة ضمنية من افتراض مفاده أن الجريمة ترتبط أساساً بالفقر أو الحرمان أو الهامش الاجتماعي، وأن المكانة الاقتصادية المرتفعة تمثل عاملاً واقياً من الانحراف[3].
ثم جاء ساذرلاند ليقلب هذه الفرضية رأساً على عقب عندما أشار إلى أن بعض أكثر الأفعال إضراراً بالمجتمع قد تُرتكب من داخل المؤسسات الاقتصادية والمالية المشروعة، وعلى أيدي أشخاص يحظون بالاحترام والثقة والنفوذ.
وبذلك لم يعد السؤال الإجرامي يقتصر على : «لماذا يرتكب الفقراء الجرائم؟»، بل أصبح يشمل أيضاً: «كيف يمكن أن تتحول السلطة والثقة والمكانة المهنية إلى أدوات لارتكاب الجريمة؟» .
ويُبيّن الشكل رقم (1) بصورة مبسطة كيف أسهم مفهوم ساذرلاند في إعادة توجيه الدراسات الإجرامية من التركيز التقليدي على جرائم الشارع والجناة الهامشيين نحو دراسة الجرائم المرتبطة بالمكانة المهنية والتنظيمية، وما يرافقها من استغلال للسلطة والثقة داخل المؤسسات.

ثالثاً: دلالات التحول الذي أحدثه ساذرلاند
لم يكن إسهام ساذرلاند مقتصراً على استحداث مفهوم جديد داخل علم الجريمة، بل امتد إلى إعادة صياغة بعض الافتراضات الأساسية التي قامت عليها الدراسات الإجرامية في النصف الأول من القرن العشرين. وبذلك لم يعد الاهتمام العلمي منصباً على الدوافع والخصائص الفردية للجاني فحسب، بل امتد إلى دراسة الظروف المهنية والتنظيمية التي تجعل ارتكاب الجريمة ممكناً.
فلم يعد يقتصر السؤال على معرفة من ارتكب الجريمة، بل أصبح يشمل الكيفية التي تتيح بها بعض البيئات المؤسسية فرصاً لاستغلال السلطة أو الثقة أو المعلومات لتحقيق منافع غير مشروعة. وبهذا المعنى، أسهم مفهوم الجريمة البيضاء في توجيه الاهتمام نحو دور الهياكل التنظيمية والثقافة المؤسسية وآليات الرقابة في تشكيل السلوك الإجرامي أو الحد منه.
كما كشف هذا التحول عن محدودية الربط التقليدي بين خطورة الجريمة ومستوى العنف المصاحب لها. فبعض الجرائم المهنية والتنظيمية قد تُرتكب دون استخدام أي عنف مادي، ومع ذلك تترتب عليها أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق تؤثر في أعداد كبيرة من الأفراد والمؤسسات.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي التلاعب المتعمد في البيانات المالية لشركة كبرى إلى إلحاق خسائر بالمستثمرين والعاملين والدائنين، وربما إلى انهيار المؤسسة نفسها، رغم أن الجريمة لم تتضمن أي اعتداء جسدي مباشر. ومن هنا بدأت تتبلور فكرة أن الضرر الاجتماعي لا يُقاس فقط بطبيعة الفعل الإجرامي، وإنما أيضاً بحجم آثاره ومدى انتشارها وتأثيرها في المجتمع والاقتصاد.
رابعاً: الانتقادات الموجهة لتعريف ساذرلاند
رغم الأثر الفكري الكبير الذي أحدثه هذا التعريف، فقد تعرّض لانتقادات منهجية واسعة، إذ ربط ساذرلاند السلوك الإجرامي (Criminal Behavior) بالمكانة الاجتماعية للجاني (Offender’s Social Status)، وليس بالفعل ذاته (Act Itself). ونتيجة لذلك، فإن السلوك نفسه، كعمليات الاحتيال المالي (Financial Fraud) أو الاختلاس (Embezzlement)، قد يُصنف باعتباره جريمة بيضاء إذا ارتكبه مدير تنفيذي أو مسؤول رفيع المستوى، بينما قد لا يُنظر إليه بالطريقة ذاتها إذا ارتكبه شخص ينتمي إلى طبقة اجتماعية أقل مكانة.
وقد أثار هذا الربط بين الجريمة والمكانة الاجتماعية عدة إشكاليات علمية ومنهجية، من أبرزها:
- إقصاء مرتكبي الأفعال ذاتها من الفئات الاجتماعية غير المرموقة.
- تضييق نطاق المفهوم على أساس طبقي.
- تقديم صورة مضللة عن العلاقة بين المكانة الاجتماعية والسلوك الإجرامي.
- الخلط بين خصائص الجاني وخصائص الفعل الإجرامي.
ولم تقتصر الانتقادات على الجانب المفاهيمي فقط، بل امتدت إلى الجانب التطبيقي. فمع تطور الاقتصادات الحديثة وتزايد تعقيد الهياكل المؤسسية، أصبح من الواضح أن العديد من الجرائم المهنية قد يرتكبها أفراد ينتمون إلى مستويات وظيفية واجتماعية مختلفة، وأن خطورة الفعل لا ترتبط بمكانة مرتكبه بقدر ارتباطها بطبيعته وآثاره.
ويرى الباحث أن الانتقادات الموجهة لتعريف ساذرلاند لا تقلل من قيمته العلمية، وإنما تكشف حدود المرحلة التاريخية التي ظهر فيها. فقد كان هدف ساذرلاند الرئيس إعادة توجيه اهتمام علم الجريمة نحو الجرائم المهنية، أكثر من وضع تعريف نهائي جامع مانع للجريمة البيضاء. كما أن تقييم تعريفه وفق المعايير المفاهيمية المعاصرة قد لا يكون منصفاً، لأن الإطار الاقتصادي والتنظيمي الذي صيغ فيه يختلف جذرياً عن بيئة الأعمال الحديثة.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لتعريف ساذرلاند لا تتمثل في عناصره التصنيفية بقدر ما تتمثل في إحداثه تحولاً جذرياً في اتجاه البحث الإجرامي، إذ نقل الاهتمام من الجرائم التقليدية إلى الجرائم المرتبطة بالسلطة الاقتصادية والتنظيمية، وهو التحول الذي مهد لظهور الاتجاهات الحديثة التي أعادت صياغة المفهوم في ضوء التطورات المؤسسية والاقتصادية اللاحقة.
ويتضح من الجدول رقم (1) أن الانتقادات لم تنصب على فكرة الجريمة البيضاء بحد ذاتها، وإنما على المعيار الذي اعتمده ساذرلاند في تعريفها وربطها بالمكانة الاجتماعية للجاني.

فقد أدى هذا الربط إلى إشكالات منهجية وتصنيفية، أبرزها احتمال اختلاف توصيف الفعل رغم تشابه طبيعته وآثاره، تبعاً للمركز الاجتماعي لمرتكبه. كما أسهم في توجيه الاهتمام نحو خصائص الجاني أكثر من التركيز على طبيعة السلوك الإجرامي والبيئة التنظيمية التي أتاحته
خامساً: تطور المفهوم وإعادة صياغته
شهد المفهوم عملية إعادة صياغة تدريجية هدفت إلى معالجة أوجه القصور التي كشفتها الانتقادات المنهجية لتعريف ساذرلاند. ومع تزايد هذه الانتقادات، اتجه الباحثون إلى إعادة تحديد جوهر الجريمة البيضاء من خلال التركيز على الفعل الإجرامي والموقع الوظيفي والبيئة التنظيمية، بدلاً من الاقتصار على مكانة الجاني الاجتماعية.
وأسهمت أعمال Geis وClinard وQuinney و Friedrichs وغيرهم في إبراز استغلال السلطة والثقة والفرص التنظيمية بوصفها العناصر المميزة لهذا النوع من الجرائم.
أما الاتجاهات الأحدث، فقد وسّعت نطاق التحليل ليشمل المنفعة غير المشروعة الناتجة عن النشاط المهني أو الاقتصادي، بصرف النظر عن المكانة الاجتماعية للجاني. ويظهر هذا التوجه في أعمال Michael Benson وSally Simpson، حيث أصبح التركيز موجهاً نحو كيفية استغلال الوظيفة أو النشاط التجاري لتحقيق مكاسب مالية أو تنظيمية غير مشروعة دون استخدام العنف المباشر.
في هذا السياق يشير كل من Michael Benson وSally Simpson إلى أن الجريمة البيضاء تُفهم بوصفها: “سلوكاً غير قانوني وغير عنيف يُرتكب من خلال الأنشطة المهنية أو التجارية ويتضمن الخداع أو خيانة الثقة”[4].
ويعكس هذا التعريف الاتجاه السائد في الأدبيات المعاصرة، حيث يُنظر إلى الجريمة البيضاء بوصفها شكلاً من أشكال إساءة استخدام الموقع المهني أو الاقتصادي لتحقيق منفعة غير مشروعة من خلال الخداع أو استغلال الثقة، بصرف النظر عن المكانة الاجتماعية أو الطبقية لمرتكبها.
ويمكن ملاحظة أن هذا التطور لم يكن مجرد تعديلات متفرقة على تعريف ساذرلاند، بل مثّل تحولاً متدرجاً في زاوية التحليل الإجرامي نفسها. فقد انتقل الاهتمام من المكانة الاجتماعية للجاني إلى طبيعة الفعل الإجرامي، ثم إلى الموقع الوظيفي، فالعوامل التنظيمية والمؤسسية، وصولاً إلى المقاربات المعاصرة التي تركز على استغلال الفرص التنظيمية لتحقيق منافع غير مشروعة.
ويوضح الشكل رقم (2) أن مفهوم الجريمة البيضاء شهد انتقالاً تدريجياً من التركيز على خصائص الجاني إلى التركيز على خصائص السلوك والبيئة التنظيمية.

ورغم أن كل اتجاه من هذه الاتجاهات أسهم في تطوير فهم الجريمة البيضاء، إلا أن أياً منها لا يقدم تفسيراً كاملاً بمفرده. فالتركيز على الجاني قد يُهمل أثر البيئة التنظيمية، بينما قد يؤدي التركيز المفرط على المؤسسة إلى التقليل من مسؤولية الأفراد ودوافعهم الشخصية.
ويبدو أن القيمة الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في استبدال تفسير بآخر، بل في الانتقال من التفسيرات الأحادية إلى المقاربات متعددة المستويات. فالجريمة البيضاء لا تنشأ عادةً نتيجة عامل منفرد، وإنما من تفاعل معقد بين دوافع الفرد، والفرص التي تتيحها البيئة التنظيمية، ومستوى الرقابة المؤسسية، والضغوط الاقتصادية المحيطة.
ومن هذا المنظور، فإن الفصل الحاد بين مسؤولية الفرد ومسؤولية المؤسسة قد لا يعكس طبيعة الواقع العملي بدقة، إذ غالباً ما تتشكل الجرائم المهنية والتنظيمية من تفاعل مستمر بين القرارات الفردية والظروف المؤسسية التي تسمح بها أو تشجع عليها أو تفشل في منعها.
سادساً: الإشكالية القانونية لمفهوم الجريمة البيضاء
رغم الانتشار الواسع لمصطلح “الجريمة البيضاء” في الأدبيات الأكاديمية والإعلامية، فإن معظم الأنظمة القانونية لا تتضمن تصنيفاً قانونياً مستقلاً تحت هذا الاسم. فالتشريعات الجنائية لا تجرّم عادةً “الجريمة البيضاء” بوصفها جريمة قائمة بذاتها، وإنما تجرّم الأفعال التي تتكون منها وفق أوصاف قانونية محددة وردت في النصوص التشريعية التقليدية. ولهذا السبب تُدرج الأفعال التي تندرج ضمن مفهوم الجريمة البيضاء عادةً ضمن جرائم مثل:
- التزوير (Forgery).
- الاحتيال (Fraud).
- الاختلاس (Embezzlement).
- إساءة استخدام السلطة (Abuse of Power).
- الرشوة والفساد (Bribery and Corruption).
- غسل الأموال (Money Laundering).
وتكمن الإشكالية القانونية في أن مفهوم الجريمة البيضاء يُعد مفهوماً إجرامياً وتحليلياً (Criminological Concept) أكثر من كونه مفهوماً قانونياً (Legal Concept).
فبينما يهتم علم الجريمة بتحليل السياق المهني والتنظيمي الذي ارتُكب فيه الفعل، ينشغل القانون بتحديد الأركان المادية والمعنوية للجريمة وإثبات المسؤولية الجنائية المترتبة عليها بغض النظر عن طبيعة البيئة التي وقعت فيها.
ويترتب على هذا التباين عدد من النتائج العملية المهمة. فقد تُصنَّف أفعال متشابهة قانونياً ضمن الجرائم نفسها رغم اختلاف السياق التنظيمي الذي ارتُكبت فيه، كما قد تختلف المعالجة القانونية للواقعة الواحدة من نظام قانوني إلى آخر تبعاً لاختلاف التشريعات الوطنية ومستوى تنظيم الجرائم الاقتصادية والمالية ومدى تطور الأطر الرقابية والمؤسسية.
ولإبراز هذه الإشكالية بصورة أوضح، يبين الجدول رقم (2) الفروق الرئيسة بين المنظور الإجرامي والمنظور القانوني في التعامل مع الجريمة البيضاء.

ويتضح من الجدول رقم (2) أن الجريمة البيضاء تمثل مفهوماً تفسيرياً أوسع من التصنيف القانوني التقليدي؛ فبينما يركز القانون على تحديد الجريمة وإثبات أركانها والمسؤولية الجنائية المترتبة عليها، يسعى علم الجريمة إلى فهم الظروف التنظيمية والاقتصادية والمهنية التي جعلت وقوعها ممكناً. ولهذا السبب ظل مفهوم الجريمة البيضاء أداة تحليلية مهمة في الدراسات الإجرامية رغم غيابه بوصفه تصنيفاً قانونياً مستقلاً في معظم التشريعات الحديثة.
ويفسر هذا التباين استمرار الاهتمام الأكاديمي والمهني بمفهوم الجريمة البيضاء، بوصفه إطاراً يساعد على فهم أنماط الانحراف التي تنشأ داخل البيئات المهنية والتنظيمية وتتجاوز حدود التصنيفات القانونية التقليدية.
ونظراً لاتساع نطاق الأفعال التي يشملها هذا المفهوم وتنوع صورها القانونية والتنظيمية، سيعود الكتاب إلى تناول هذه الجرائم بمزيد من التفصيل في الأبواب اللاحقة، مع التركيز على خصائصها السلوكية والتنظيمية، وأساليب اكتشافها والتحقيق فيها، ودور المحاسبة الجنائية ومحققي الاحتيال في الحد من مخاطرها ومعالجة آثارها المؤسسية والاقتصادية.
سابعاً: المصطلحات البديلة لمفهوم الجريمة البيضاء
رغم شيوع مصطلح “الجريمة البيضاء” (White-Collar Crime)في الأدبيات الجنائية، فإن غموضه المفاهيمي وغياب تعريف قانوني موحد له دفع العديد من الباحثين وصناع السياسات إلى تبني مصطلحات بديلة أكثر دقة في وصف طبيعة هذه الجرائم وسياقاتها التنظيمية والمهنية.
ويشير David Friedrichs إلى أن استخدام مفاهيم مثل الجريمة الاقتصادية (Economic Crime)، والجريمة التنظيمية (Organisational Crime)، والجريمة الوظيفية (Occupational Crime)، لا يهدف إلى استبدال مفهوم الجريمة البيضاء فحسب، بل إلى تجاوز القيود المفاهيمية التي يفرضها من خلال تصنيفات أكثر ارتباطاً بمصدر السلوك الإجرامي وآلية حدوثه.
ويساعد هذا التنوع الاصطلاحي في تحسين فهم أنماط الانحراف المختلفة وتطوير أدوات أكثر دقة للتحقيق والرقابة والملاحقة القانونية.
ولإبراز الفروق بين أكثر هذه المصطلحات استخداماً في الأدبيات المعاصرة، تُستعرض فيما يلي أهم المفاهيم المرتبطة بالجريمة البيضاء وخصائص كل منها.
أولاً: الجريمة الاقتصادية (Economic Crime)
يشير هذا المصطلح إلى الجرائم التي تُرتكب في إطار الأنشطة الاقتصادية أو تستهدفها بصورة مباشرة، وتشمل طيفاً واسعاً من الأفعال غير المشروعة، مثل الاحتيال المالي، والتلاعب في القوائم والتقارير المالية، والتزوير، والاختلاس، وغسل الأموال، والتهرب الضريبي، وغيرها من الجرائم التي تُلحق ضرراً بالنظام الاقتصادي أو المالي. ويتميز هذا المفهوم بتركيزه على طبيعة النشاط الاقتصادي الذي وقعت فيه الجريمة والآثار الاقتصادية المترتبة عليها، بدلاً من التركيز على هوية الجاني أو مركزه الاجتماعي أو الوظيفي.
ويعد هذا المفهوم من أكثر المفاهيم استخداماً في التشريعات والسياسات العامة؛ لأنه يتيح التعامل مع الجريمة من خلال نتائجها الاقتصادية وآثارها على الأسواق والمؤسسات والمجتمع، بصرف النظر عما إذا كان مرتكبها فرداً أو مجموعة أو شركة أو مؤسسة. كما ينسجم مع الاتجاهات القانونية الحديثة التي توسعت في تجريم الأفعال الاقتصادية الضارة، نظراً لما قد تسببه من خسائر مالية جسيمة، وإضعاف لثقة المستثمرين، وتشويه لبيئة المنافسة، والإضرار باستقرار الأسواق والاقتصاد الوطني.
ومن منظور المحاسبة الجنائية، يوفر مفهوم الجريمة الاقتصادية إطاراً عملياً لتحليل الجرائم ذات البعد المالي، إذ يوجه الاهتمام إلى تتبع التدفقات المالية، وتحليل المعاملات والقيود المحاسبية، والكشف عن أنماط الاحتيال والتلاعب المالي، وتقدير حجم الأضرار الاقتصادية الناجمة عنها. إلا أن هذا المفهوم يظل أوسع من مفهوم الجريمة البيضاء من ناحية، وأضيق منه من ناحية أخرى؛ فهو قد يشمل جرائم اقتصادية لا ترتبط بالضرورة باستغلال الوظيفة أو الثقة المهنية، كما أنه لا يركز بالدرجة نفسها على العوامل التنظيمية والسلوكية التي تفسر كيفية نشوء الانحراف داخل المؤسسات.
ولذلك، فإن الجريمة الاقتصادية تمثل أحد المفاهيم المكملة لمفهوم الجريمة البيضاء، إذ تتقاطع معه في العديد من الجرائم المالية والمهنية، لكنها تختلف عنه في زاوية التحليل؛ فبينما ينصرف مفهوم الجريمة الاقتصادية إلى طبيعة النشاط والضرر الاقتصادي الناتج عن الجريمة، يركز مفهوم الجريمة البيضاء على استغلال الوظيفة أو السلطة أو الثقة داخل البيئة المهنية والتنظيمية لتحقيق منفعة غير مشروعة.
ثانياً: الجريمة التنظيمية (Organisational Crime)
يُستخدم مفهوم الجريمة التنظيمية للإشارة إلى الأفعال غير المشروعة التي تنشأ عن المؤسسة نفسها، أو تُرتكب باسمها، أو لمصلحتها، بحيث لا يكون الانحراف مجرد تصرف فردي معزول، وإنما نتيجة لسياسات تنظيمية أو ممارسات إدارية أو ثقافة مؤسسية تشجع بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مخالفة القانون أو الالتفاف عليه. وقد يتجسد ذلك في اعتماد أهداف مالية غير واقعية، أو نظم حوافز تشجع على تجاوز الضوابط، أو ضعف الرقابة الداخلية، أو وجود ثقافة تنظيمية تتسامح مع المخالفات ما دامت تحقق نتائج مالية أو تنافسية.
ويتميز هذا المفهوم بتركيزه على المؤسسة بوصفها وحدة للتحليل، وليس على الفرد وحده. ولذلك فإنه يسعى إلى تفسير السلوك الإجرامي من خلال دراسة البنية التنظيمية، وآليات اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات، وأنظمة الرقابة، والثقافة المؤسسية، وهي عوامل قد تؤدي مجتمعة إلى خلق بيئة تسمح بارتكاب السلوك غير المشروع أو تشجع عليه أو تعجز عن اكتشافه في الوقت المناسب. ومن ثم، فإن المسؤولية في هذا النوع من الجرائم قد تمتد لتشمل المؤسسة ذاتها، حتى وإن نُفذت الأفعال بواسطة أفراد يعملون داخلها.
ويُستخدم مفهوم الجريمة التنظيمية على نطاق واسع في تحليل القضايا التي تنطوي على مخالفات مؤسسية واسعة النطاق، مثل التلاعب المنهجي بالقوائم المالية، أو انتهاك القوانين البيئية، أو ممارسات الاحتكار، أو إخفاء المعلومات الجوهرية عن المستثمرين أو الجهات الرقابية. ففي مثل هذه الحالات لا يكون الانحراف نتيجة قرار فردي منفرد، بل يعكس خللاً في نظام الحوكمة أو الرقابة أو الثقافة التنظيمية التي سمحت باستمرار السلوك غير المشروع.
ومن منظور المحاسبة الجنائية، تكتسب الجريمة التنظيمية أهمية خاصة؛ لأنها توجه المحقق إلى تجاوز البحث عن المسؤول الفردي، والانتقال إلى تحليل البيئة المؤسسية التي أنتجت السلوك الإجرامي. ويشمل ذلك تقييم فعالية نظام الرقابة الداخلية، وتحليل هيكل الصلاحيات، ودراسة آليات اتخاذ القرار، والكشف عن المؤشرات التي تدل على وجود ممارسات تنظيمية غير سليمة قد تكون أسهمت في وقوع الجريمة أو إخفائها.
ورغم التقاطع الكبير بين مفهوم الجريمة التنظيمية ومفهوم الجريمة البيضاء، فإنهما ليسا مترادفين. فالجريمة التنظيمية تركز على مسؤولية المؤسسة ودورها في إنتاج السلوك الإجرامي أو تسهيله، بينما يركز مفهوم الجريمة البيضاء على استغلال الفرد أو المجموعة للوظيفة أو السلطة أو الثقة المهنية لتحقيق منفعة غير مشروعة. ومع ذلك، فإن كثيراً من الجرائم البيضاء قد تقع داخل بيئات تنظيمية تشجع الانحراف أو تتسامح معه، الأمر الذي يجعل المفهومين متكاملين في تفسير الجرائم المهنية والمؤسسية المعاصرة.
ثالثاً: الجريمة الوظيفية (Occupational Crime)
تشير الجريمة الوظيفية إلى الأفعال غير المشروعة التي يرتكبها الفرد أثناء ممارسته لعمله أو استغلاله لموقعه المهني، بقصد تحقيق منفعة شخصية أو تجنب خسارة شخصية، دون أن تكون المؤسسة نفسها طرفاً مباشراً في السلوك الإجرامي أو مستفيدة منه. وتشمل هذه الجرائم طيفاً واسعاً من الممارسات، مثل الرشوة، والاختلاس، والتزوير، وإساءة استخدام المعلومات السرية، واستغلال الصلاحيات الوظيفية، والتلاعب بالإجراءات أو المستندات لتحقيق مكاسب شخصية.
ويركز هذا المفهوم على الفرد بوصفه وحدة للتحليل، وعلى الكيفية التي يستغل بها الثقة الممنوحة له، أو الصلاحيات الوظيفية، أو إمكانية الوصول إلى الموارد والمعلومات، لتحقيق منفعة غير مشروعة. ولذلك فإن جوهر الجريمة الوظيفية لا يكمن في طبيعة الوظيفة ذاتها، وإنما في إساءة استغلالها بما يخالف الواجبات المهنية والالتزامات القانونية والأخلاقية المرتبطة بها.
ويُعد مفهوم الجريمة الوظيفية من أكثر المفاهيم استخداماً في تحقيقات الاحتيال والفساد الإداري؛ لأنه يساعد على تفسير كثير من الجرائم التي تقع داخل المؤسسات دون أن تعكس بالضرورة سياسة تنظيمية أو ثقافة مؤسسية منحرفة. ففي العديد من الحالات يكون الانحراف نتيجة قرار فردي اتخذه الموظف مستغلاً الثقة والصلاحيات التي منحت له، بينما تكون المؤسسة نفسها هي المتضرر الرئيس من ذلك السلوك.
ومن منظور المحاسبة الجنائية، يكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة؛ إذ يوجه المحقق إلى تحليل العلاقة بين الموظف والوظيفة، وتقييم مستوى الصلاحيات الممنوحة له، ومدى كفاية الرقابة الداخلية، وإمكانية تجاوز الضوابط الرقابية أو التحايل عليها. كما يسهم في تحديد المسؤولية الفردية، وتحليل الدوافع والفرص التي مكنت الموظف من ارتكاب الجريمة، وهو ما يمثل أحد المحاور الرئيسة في تحقيقات الاحتيال المهني.
ورغم وجود تقاطع واضح بين الجريمة الوظيفية والجريمة البيضاء، فإن الجريمة الوظيفية تمثل مفهوماً أكثر تحديداً؛ إذ تقتصر على الجرائم المرتبطة باستغلال الوظيفة لتحقيق منفعة شخصية، في حين يشمل مفهوم الجريمة البيضاء نطاقاً أوسع يضم الجرائم التي قد يرتكبها أفراد أو مؤسسات من خلال استغلال السلطة أو الثقة أو الفرص التنظيمية. ولذلك يمكن النظر إلى الجريمة الوظيفية بوصفها أحد أهم صور الجريمة البيضاء وأكثرها شيوعاً في البيئات المؤسسية المعاصرة.
يبين الجدول رقم (3) أوجه الاختلاف الرئيسة بينها من حيث مصدر الجريمة ووحدة التحليل وطبيعة المستفيد منها.

ويتضح من الجدول رقم (3) أن الاختلاف بين هذه المصطلحات لا يتعلق بنوع الفعل الإجرامي بقدر ما يتعلق بزاوية التحليل المستخدمة لفهمه. فقد يكون الفعل نفسه احتيالاً مالياً أو رشوة أو اختلاساً، إلا أن توصيفه يختلف تبعاً لما إذا كان التركيز موجهاً نحو الأثر الاقتصادي للجريمة، أو نحو دور المؤسسة في إنتاجها، أو نحو استغلال الفرد لموقعه الوظيفي لتحقيق منفعة شخصية.
ومن ثم، لا تمثل هذه المفاهيم تصنيفات متعارضة، وإنما مستويات تحليل مختلفة لظاهرة إجرامية واحدة قد تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والتنظيمية والوظيفية في الواقعة نفسها. ويرى الباحث أن هذا التعدد لا يعكس قصوراً في مفهوم الجريمة البيضاء، بل يعكس تطوراً في أدوات تحليلها؛ فالجريمة البيضاء تظل الإطار المفاهيمي الأشمل الذي يستوعب هذه الأبعاد جميعاً متى ارتبطت باستغلال الوظيفة أو السلطة أو الثقة أو الفرص التنظيمية.
ولذلك، فإن التعامل مع هذه المصطلحات بوصفها مترادفات قد يؤدي إلى خلط مفاهيمي يضعف الدقة العلمية، في حين أن توظيفها باعتبارها مفاهيم متكاملة يوفر فهماً أكثر شمولاً للجرائم المهنية والمؤسسية، ويساعد في اختيار أدوات التحقيق والرقابة والتكييف القانوني الملائمة لكل حالة.
ويبين الشكل رقم (3) الأبعاد المفاهيمية الرئيسة التي تشكل الإطار التحليلي العام لفهم الجريمة البيضاء في الدراسات الحديثة.

يكشف الشكل رقم (3) أن الجريمة البيضاء لم تعد تُفسَّر من خلال معيار واحد أو منظور منفرد، بل من خلال منظومة مترابطة من العوامل المهنية والتنظيمية والاقتصادية التي تتفاعل فيما بينها لتشكيل السلوك الإجرامي. فالفعل غير المشروع، والموقع الوظيفي، والثقة المؤسسية، والسلطة التنظيمية، والمنفعة غير المشروعة، ليست عناصر مستقلة، وإنما مكونات متداخلة تسهم مجتمعة في تفسير كيفية نشوء الجريمة البيضاء واستمرارها داخل المؤسسات. ومن ثم، فإن فهم هذا النوع من الجرائم يتطلب تبني منظور تحليلي متعدد الأبعاد يدمج بين سلوك الفرد، وخصائص المؤسسة، والبيئة التنظيمية المحيطة، وهو ما يشكل الأساس النظري الذي ستعتمده هذه الدراسة في تحليل الجريمة البيضاء وتطبيقاتها في المحاسبة الجنائية وتحقيقات الاحتيال خلال الفصول اللاحقة.
ثامناً:التعريف الإجرائي للجريمة البيضاء في هذه الدراسة
في ضوء التطور التاريخي للمفهوم، والانتقادات الموجهة لتعريف ساذرلاند، والاتجاهات الحديثة في الأدبيات، يتبنى الباحث في هذه الدراسة تعريفاً إجرائياً للجريمة البيضاء بوصفها:
كل فعل غير مشروع أو غير أخلاقي يُرتكب من خلال نشاط مهني أو وظيفة أو موقع تنظيمي، باستغلال السلطة أو الثقة أو الصلاحيات أو الفرص التنظيمية، بقصد تحقيق منفعة مباشرة أو غير مباشرة، دون اشتراط استخدام العنف المادي، ويترتب عليه ضرر اقتصادي أو مالي أو مؤسسي أو اجتماعي، سواء ارتكبه فرد أو مجموعة أو مؤسسة.
ويُعد هذا التعريف الإجرائي الإطار المرجعي الذي تستند إليه الدراسة في تحليل خصائص الجريمة البيضاء، وتفسير سلوك مرتكبيها، ودراسة أنماطها، وتطبيقاتها في المحاسبة الجنائية وتحقيقات الاحتيال خلال الفصول اللاحقة.
أهم الاستنتاجات
- لم يعد تعريف الجريمة البيضاء قائماً على الطبقة الاجتماعية أو المكانة الاقتصادية للجاني وحدها، كما كان في الطرح الكلاسيكي لساذرلاند.
- انتقل التركيز في الأدبيات الحديثة من هوية الجاني إلى طبيعة الفعل الإجرامي والسياق المهني والتنظيمي الذي وقع فيه.
- لا يوجد في معظم الأنظمة القانونية المعاصرة تصنيف قانوني مستقل تحت مسمى “الجريمة البيضاء”، بل تُعالج هذه الأفعال من خلال جرائم تقليدية مثل الاحتيال والاختلاس والتزوير والفساد وغسل الأموال.
- أسهمت الانتقادات الموجهة لتعريف ساذرلاند في ظهور مقاربات أكثر موضوعية ركزت على الموقع الوظيفي وطبيعة النشاط المهني والضرر الناتج عن السلوك الإجرامي.
- ظهرت مفاهيم بديلة أكثر تخصصاً، مثل الجريمة الاقتصادية، والجريمة التنظيمية، والجريمة الوظيفية، بهدف تفسير أنماط الانحراف المختلفة داخل البيئات المهنية والمؤسسية.
- أصبحت مفاهيم الثقة المؤسسية، والسلطة التنظيمية، وإساءة استخدام الصلاحيات، والفرصة التنظيمية من العناصر المركزية في تفسير الجريمة البيضاء في الأدبيات المعاصرة.
- تؤكد الاتجاهات الحديثة أن فهم الجريمة البيضاء يتطلب دراسة التفاعل بين الفرد والمؤسسة والبيئة التنظيمية، بدلاً من التركيز على خصائص الجاني بصورة منفصلة.
- تمثل الجريمة البيضاء اليوم أحد أكثر أنماط الجريمة تعقيداً، نظراً لقدرتها على إخفاء السلوك غير المشروع خلف مظاهر الشرعية المهنية والتنظيمية.
خاتمة الفصل
يتضح من العرض السابق أن مفهوم الجريمة البيضاء لم يكن مفهوماً جامداً، بل مرَّ بمسار تطوري عكس التحولات التي شهدتها البيئات الاقتصادية والتنظيمية وطبيعة النشاط المهني خلال العقود الماضية. فقد انتقل الاهتمام من التركيز على المكانة الاجتماعية للجاني، كما طرحها ساذرلاند، إلى دراسة الفعل الإجرامي ذاته، ثم إلى تحليل الموقع الوظيفي والبيئة التنظيمية والفرص المؤسسية التي تجعل ارتكاب الجريمة ممكناً أو تسهم في إخفائها واستمرارها.
كما أظهر الفصل أن الجريمة البيضاء تمثل مفهوماً تحليلياً يتجاوز التصنيفات القانونية التقليدية، الأمر الذي أدى إلى ظهور مفاهيم مكمّلة، مثل الجريمة الاقتصادية، والجريمة التنظيمية، والجريمة الوظيفية، في محاولة لتفسير الأبعاد المختلفة لهذا النمط من السلوك الإجرامي. ويعكس هذا التطور انتقال الفكر الإجرامي من البحث عن خصائص الجاني إلى البحث عن الظروف المؤسسية التي تنتج الانحراف أو تهيئ له البيئة المناسبة.
وقد بيّن الفصل أيضاً أن التباين بين المنظور القانوني والمنظور الإجرامي لا يمثل تعارضاً بقدر ما يعكس اختلافاً في زاوية التحليل؛ فبينما يهتم القانون بتحديد الفعل المجرّم وإثبات المسؤولية الجنائية، ينصرف علم الجريمة إلى تفسير العوامل التنظيمية والاقتصادية والسلوكية التي أدت إلى وقوعه. ومن ثم فإن الجمع بين المنظورين يوفر فهماً أكثر شمولاً للجريمة البيضاء، ويسهم في تطوير أدوات أكثر فاعلية للوقاية والكشف والتحقيق.
ويرى الباحث أن القيمة العلمية لمفهوم الجريمة البيضاء لا تكمن في تعريف ساذرلاند بصورته التقليدية، وإنما في التحول الفكري الذي أحدثه داخل علم الجريمة، إذ نقل الاهتمام من الجرائم التقليدية إلى الجرائم التي تُرتكب في إطار النشاط المهني والتنظيمي. أما في ضوء الأدبيات المعاصرة، فإن الجريمة البيضاء في هذه الدراسة تُفهم بوصفها كل سلوك غير مشروع يُرتكب من خلال وظيفة أو نشاط مهني أو تنظيمي باستغلال السلطة أو الثقة أو الصلاحيات أو الفرص المؤسسية لتحقيق منفعة غير مشروعة، دون اشتراط استخدام العنف المادي. ويُعد هذا التعريف الإطار المفاهيمي الذي تستند إليه الدراسة في الفصول اللاحقة.
وانطلاقاً من هذا الإطار، ينتقل الفصل التالي إلى دراسة الخصائص السلوكية والتنظيمية للجريمة البيضاء، بوصفها المدخل الرئيس لفهم كيفية تشكل هذا النمط من الجرائم داخل المؤسسات، وآليات ارتكابه وإخفائه، ودور البيئة التنظيمية في الحد من مخاطره أو تسهيل وقوعه.
[1] Edwin H. Sutherland (1883–1950) يُعد من أبرز علماء الجريمة في القرن العشرين، واشتهر بتطوير مفهوم الجريمة البيضاء ونظرية المخالطة الفارقة (Differential Association Theory).
[2] يُقصد بالفكر الإجرامي (Criminological Thought) مجموعة النظريات والاتجاهات العلمية التي تفسر أسباب الجريمة وأنماط السلوك الإجرامي وسبل مكافحته.
[3] Vold, George B., et al. Theoretical Criminology. 6th ed., Oxford UP, 2002.
[4] Benson, Michael L., and Sally S. Simpson. White-Collar Crime: An Opportunity Perspective. 2nd ed., Routledge, 2018.
اقرء ايضاً :تباين الكمية (الفعلية والقياسية): الحساب والتحليل