دعونا نكفّ عن الكذب على أنفسنا.
أنت لن تصل.
قد تصبح غنياً.
قد تصبح مشهوراً.
قد تمتلك شركة، بيتاً، نفوذاً، لقباً، وعائلة.
لكن سيبقى شيء ما ناقصاً.
شيء لم تحصل عليه.
شيء خسرته مقابل ما كسبته.
أو رغبة جديدة وُلدت فور تحقق الرغبة القديمة.
وهنا تبدأ فكرتي عن «الصفر المطلق».
الصفر المطلق لا يعني أنك فشلت، ولا أن حياتك بلا قيمة.
بل يعني شيئاً أكثر إزعاجاً:
أن الإنسان غير قادر على الوصول إلى حالة اكتمال لا ينقصها شيء.
تجمع المال، فتكتشف أنك لم تجمع الوقت.
تجمع النفوذ، فتفقد الهدوء.
تبني اسماً، فتصبح أسيراً له.
تنجح في العمل، فيدفع جسدك الفاتورة.
تحصل على الحب، فتبدأ بالخوف من فقدانه.
تصل إلى المنصب الذي حلمت به، ثم يصبح عادياً وتبحث عن التالي.
هذه ليست مصادفة.
هذه هي ماكينة الإنسان.
الرغبة لا تشبع.
هي فقط تغيّر ملابسها.
وأكبر خدعة نمارسها على أنفسنا هي:
“عندما أصل… سأرتاح.“
لن ترتاح.
ستهدأ قليلاً، ثم يحوّل عقلك ما حلمت به لسنوات إلى شيء عادي، ويسألك:
وماذا بعد؟
كنت تريد وظيفة.
ثم راتباً أكبر.
ثم منصباً.
ثم شركة.
ثم نفوذاً.
ثم اسماً يبقى بعد موتك.
وفي كل مرة تقنع نفسك أن الرغبة التالية هي الأخيرة.
ليست الأخيرة أبداً.
لأن المشكلة ليست دائماً في الشيء الذي ينقصك.
المشكلة في الإنسان نفسه: كائن ينتج النقص باستمرار.
وهنا تظهر معادلة الصفر المطلق:
ما تكسبه من جهة، يظهر أمامه نقص من جهة أخرى.
قد يكون النقص في الصحة.
أو الوقت.
أو العاطفة.
أو الحرية.
أو السلام.
أو مجرد رغبة جديدة لم تكن موجودة قبل أن تحقق القديمة.
ولهذا يملك أحدهم مليوناً فيريد عشرة.
ومن يملك عشرة يريد مئة.
ومن يملك مئة يريد النفوذ.
ومن يملك النفوذ يريد الخلود.
والجميع يعتقدون أن المشكلة في الرقم.
ليست في الرقم.
المشكلة أن خط النهاية يتحرك معك.
كلما اقتربت منه، ابتعد.
وهنا يصبح الإنسان عدّاءً في سباق لا توجد له منصة تتويج.
والأطرف أننا نسمي ذلك نجاحاً.
نصفق لمن ركض أسرع.
ولا نسأله:
إلى أين؟
الإنسان لا يستهلك الأشياء فقط.
هو يستهلك أحلامه أيضاً.
يحلم بالسيارة سنوات، ثم يشتريها، وبعد أشهر تصبح مجرد سيارة.
يحلم بالبيت، ثم يسكنه، وبعد فترة يصبح جدراناً.
يحلم بالمنصب، ثم يحصل عليه، وبعد مدة يصبح بطاقة عمل.
نحن نحول المعجزات التي حلمنا بها إلى أشياء عادية، ثم نطالب الحياة بمعجزة جديدة.
لأنك لم تكن تبحث عن الشيء نفسه.
كنت تبحث عن الإحساس الذي وعدك به الشيء.
وهذا الإحساس قصير العمر.
لهذا أقول:
الصفر المطلق ليس انعدام المكاسب، بل استحالة الوصول إلى حالة إنسانية مكتملة لا ينقصها شيء.
قد تكون ناجحاً جداً وتعيش الصفر المطلق.
قد تكون محبوباً وتعيش الصفر المطلق.
قد تكون ثرياً وتعيش الصفر المطلق.
لأن الصفر هنا ليس ما في البنك.
إنه المسافة بين ما تملك وبين آخر شيء يقنعك عقلك بأنك تحتاجه كي تكتمل.
وهذه المسافة لا تنتهي.
ثم يأتي الجسد في النهاية ليضع حداً لكل هذا الغرور.
الجسد الذي عاملته طوال حياتك كأنه موظف لديك.
ضغطت عليه.
قللت نومه.
حملته الاجتماعات والمشاكل والطائرات.
ثم في يوم ما يقرر أن يذكّرك بمن المدير الحقيقي.
يضعف.
يتعب.
يتباطأ.
وعندها قد تكتشف أن لديك أرصدة كثيرة، لكنك لا تستطيع شراء يوم إضافي واحد من شبابك.
هنا يصبح السؤال مؤذياً:
ما الذي كنت تجمعه بالضبط؟
لا أقول لك لا تعمل.
ولا أقول لك لا تطمح.
ولا أقول لك اعتزل الناس.
هذا أيضاً غباء.
لكن الغباء الحقيقي أن تدخل السباق وأنت مقتنع أن هناك لحظة مستقبلية اسمها:
“الآن اكتملت.“
لن تأتي.
كل رغبة حققتها ستتحول إلى أمر عادي.
كل قمة وصلت إليها ستكشف لك قمة أخرى.
كل باب فتحته سيظهر وراءه ممراً جديداً.
حتى ينتهي الوقت.
وعندها قد تفهم ما كان أمامك طوال الطريق:
لم تكن المشكلة أنك لم تحصل على ما يكفي.
المشكلة أنك كنت تطلب من الحياة شيئاً لا تستطيع أن تعطيه:
الاكتمال.
وهذا هو الصفر المطلق.
ليس أن تموت فقيراً.
ولا أن تفشل.
ولا أن تخسر كل شيء.
بل أن تفهم، بعد كل ما جمعت وحققت وأحببت وخسرت، أن شيئاً ما سيظل ناقصاً.
دائماً.
والسؤال الحقيقي ليس:
كيف أصل إلى الاكتمال؟
بل:
كم من عمري سأهدر قبل أن أفهم أن الاكتمال نفسه هو الوهم؟
e-onepress.com
اقرء ايضا ً:متلازمة فوكولسكي في القرن الواحد والعشرين: أنت لا تُخدع.. أنت فقط أحمق برغبتك!
