متلازمة فوكولسكي ‏متلازمة فوكولسكي ‏

أعادت منصة نتفليكس (Netflix) مؤخراً إلى الواجهة قصة الكلاسيكية البولندية الشهيرة “الدمية” (Lalka)، عبر مسلسل درامي جسّد المأساة الأزلية للبطل العصامي ستانيسواف فوكولسكي، الذي يجمع الملايين، ويخوض الحروب، ويخترق النخب الاقتصادية، ليقع صريعاً تحت أقدام امرأة أرستقراطية باردة وجوفاء تُدعى إيزابيلا.

يشاهد المجتمع المعاصر هذا العمل الفني اليوم ويندب حظ البطل، مشفقاً على «الضحية» التي تعرضت للاستغلال المادي والعاطفي.

لكن دعونا ننحِّ النفاق الاجتماعي والمساحيق التجميلية جانباً، ونشرح هذه الديناميكية بمشرط الواقعية الصارمة:

فوكولسكي لم يكن ضحية لخديعة.. فوكولسكي كان أحمقاً برغبته، تماماً كالملايين في مجتمعنا المعاصر!

“متلازمة فوكولسكي” لم تعد مأساة أدبية من القرن التاسع عشر؛ نحن اليوم نعيش نسختها الجماعية في عصر السوشيال ميديا وعالم المال والأعمال، حيث يتسابق الملايين لشراء الحب والقبول والمكانة بالمال والإنجاز والصورة.

نحن نعيش في مجتمع أدمن لعب دور الضحية. موظفون يفنون صحتهم لإرضاء شركات ومجموعات مصالح محتكرة، ورواد أعمال يبيعون سلامهم النفسي لشراء برستيج صالونات النخبة، وأفراد يلقون بمدخراتهم ومشاعرهم تحت أقدام أشخاص سطحيين نرجسيين يعيشون فقط لكي يُشاهدوا.

ثم، حين تقع الفأس في الرأس، يصرخ الجميع:

لقد خُدعنا.. لقد تم استغلالنا!

والحقيقة الصادمة التي يهرب منها الجميع هي أن الطرف الآخر — سواء كان امرأة باردة مثل إيزابيلا، أو شركة طفيلية، أو مجتمعاً استهلاكياً أجوف — لم يكن شريراً بالضرورة، ولم يمارس الخداع المتعمد دائماً؛ بل كان واضحاً في سلوكه، وبارداً في تركيبته، ومتسقاً مع «كتالوج» بيئته ومصالحه منذ اليوم الأول.

هم يتصرفون وفق مقاسهم وطبيعتهم، ولا يجدون أنفسهم مخطئين.

الخديعة الحقيقية هي خديعة الداخل.

الذنب كاملاً يقع على «الضحية» التي أصيبت بـ العمى العاطفي المعرفي.

أنت من قرر أن يغمض عينيه عن المؤشرات الواضحة.

أنت من صنع من الطرف الآخر صنماً وملاكاً طاهراً في مخيلتك لتشبع نقصك الخاص.

وأنت من ارتضى أن يشتري ديونهم، ويقدم التضحيات المجانية، على أمل أن تشتري بالمال ما لا يُشترى إلا بالروح والمشاعر غير المرئية.

المجتمع اليوم يكرر نفس “لعبة التناوب على الوهم”.

نركض في مضامير لاهثة، ننافق قوالب اجتماعية بالية، ونتنازل عن حقوقنا طواعية لنمنح المستغلين الذكاء والشرعية لتدميرنا.

وفي نهاية المطاف، عندما يتحطم الوهم، لا يتحمل الجسد والوعي هذا الوزن المعرفي. فإما أن يدفع الإنسان ثمناً جسدياً ونفسياً باهظاً، أو يتحول إلى دمية ميكانيكية عاجزة فاقدة للقرار بيد من تعب لأجلهم، ليعود إلى ذات النقطة الصفرية التي بدأ منها حياته:

طفلاً عاجزاً بدأ بفوطة.. وانتهى بها! لكن الحساب ليس على الفوطة الأولى ولا الأخيرة، بل على ما فعلناه بينهما.

إذا كنت تعيش اليوم علاقة استغلالية، أو تركض في بيئة عمل تمتص عمرك، أو تطحن نفسك لإثبات مكانتك لنخبة تنظر إليك بتعالٍ؛ فتوقف فوراً عن ندب حظك.

اخلع قناع الضحية.

واعلم أنك تقيس الآخرين بمقياس تضحيتك أنت، بينما هم يعيشون بمقياس مصالحهم.

وهنا تبدأ مشكلة أعمق سأعود إليها لاحقاً: “الصفر المطلق”. تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن كل ما ربحه لم يمنحه الاكتمال الذي كان يطارده.

لا تكن فوكولسكي جديداً يفجر قلعته ويختفي. بل كن المنارة التي تضع قدمها على أرض الواقع، وتوجه نظرها نحو أثر حقيقي ممتد لا تمحوه حماقات البشر.

e-onepress.com

About Author

By HANI KHAMIS HAMAD

hanihamad12@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *